يحيى العامري الحرضي اليماني

540

غربال الزمان في وفيات الأعيان

لا شك أنه موضوع وأنه محال قطعا ؛ وتبعه على ذلك عامة الحفاظ المتسمين بالحديث تحقيقا وترسما ؛ كابن عبد السلام والنووي وابن دقيق العيد وابن دحية وأبي محمد عبد الرحمن وأبي شامة المقدسيان وابن تيمية والذهبي وابن خليل في تحفته ، واعتذر عمن أوردها من كبار الأئمة كالغزالي وأبي طالب المكي ، وذكر هؤلاء أنها لم تحدث إلا ببيت المقدس بعد الأربعمائة . وكذلك الجزري في عدته قال : لا يصحان وسندهما موضوع ؛ فمن تأمل القاعدة التي قررناها أولا ونظر قطع هؤلاء الأئمة الذين لا يرتاب في عدالتهم بوضع هذا الحديث ، وخلا رأسه من دخان العصبية ، وارتكاب الحمية ، واستعمل الإنصاف ، وجانب الاعتساف ، لم يمتر في بطلانهما ، واللّه أعلم . رجعنا إلى ذكر الإمام ابن عبد السلام رحمه اللّه تعالى : دخل بغداد سنة تسع وتسعين وخمسمائة ، ومات أبو الفرج بن الجوزي يوم دخوله ، فأقام بها شهرا ، ثم عاد إلى دمشق ، وتولى الخطابة والتدريس بزاوية الغزالي ، وهو من الذين قيل : إن علمهم أكثر من تصانيفهم ، لا من الذين عبارتهم دون درايتهم . ومرتبته في العلوم الظاهرة من السابقين ومن الرعيل الأول . وأما في المعارف وحضور الهيبة من اللّه تعالى فقد عدّ رحمه اللّه نفسه من القسم الثالث ؛ وذلك أنه عدّ الناس أقساما ، فذكر أن القسم الأول هم الذين تحضرهم المعارف من غير استحضار وتفكر واعتبار ولا تغيب عنهم في جميع الأحوال . ثم قال : والقسم الثالث هم الذين تحضرهم باستحضار من غير دوام واستمرار كأمثالنا . وروي أنه تكرر عليه الاحتلام في ليلة شديدة البرد ؛ فكرر الاغتسال حتى غشي عليه ، فسمع قائلا يقول : لأعوضنك عز الدنيا والآخرة . ولما سلم الصالح إسماعيل بن العادل للفرنج قلعة صفد اختيارا أنكر عليه ابن عبد السلام ولم يدع له في الخطبة ، وكان خطيبا بالجامع الأموي ؛ فغضب الملك وحبسه ، ثم أطلقه من السجن فخرج إلى مصر هو وابن الحاجب النحوي وقد كان احتبس معه أيضا ، فتلقاه صاحبها الصالح نجم الدين بن أيوب وولاه القضاء